
ما هو العلاج المعرفي السلوكي ؟
العلاج المعرفي السلوكي (CBT) هو، وفقًا للأبحاث والاستطلاعات، أكثر أشكال العلاج النفسي ممارَسة في العالم، كما أنه
الأكثر بحثًا وهذا يعني أيضًا أنه نوع من العلاج النفسي الذي يمتلك قابلية كبيرة لإحداث تغيير إيجابي في حياتك ومساعدتك على التعامل مع صعوباتك النفسية. في هذه الصفحة نحاول شرح جوهر ومقومات ما هو العلاج المعرفي السلوكي. في الواقع، العلاج المعرفي السلوكي ليس علاجًا نفسيًا واحدًا فحسب، بل هو عائلة من العديد من العلاجات المتخصِّصة التي تشترك فيه عناصر مشتركة معينة:
قائم على الأدلة العلمية
أولًا، يتمتع العلاج المعرفي السلوكي بقاعدة علمية قوية؛ إذ توجد منذ عقود أبحاث عديدة تُظهر كيف يمكن لأنواع محددة من العلاجات المعرفية السلوكية أن تكون فعّالة في معالجة مشكلات نفسية متعددة. تمتد هذه المشكلات من اضطرابات نفسية محددة جدًا مثل الرهاب (كالخوف المفرط من الأفاعي أو المرتفعات)، إلى مشكلات أوسع وأكثر شمولًا مثل اضطراب ما بعد الصدمة (كإعادة معايشة تجارب صادمة شديدة، مثل التعرض لاعتداء جسدي كان الشخص يعتقد خلاله أنه قد يموت). في هذا الموقع الإلكتروني ، نقوم بوصف علاجات معرفية سلوكية محددة لمجموعة واسعة من المشكلات النفسية المختلفة.
محدود المدة
من العناصر الأخرى للعلاج المعرفي السلوكي أنه غالبًا ما يكون علاجًا محدود المدة. إذ تتراوح المدة المعتادة للعلاج المعرفي السلوكي بين 10 إلى 20 جلسة. غير أن العلاج قد يكون أقصر من ذلك (كما في حالة رهاب محدد يمكن علاجه في جلسة واحدة فقط)، وأطول بكثير في حالات الاضطرابات الشديدة مثل اضطراب ما بعد الصدمة، أو عدم الاستقرار العاطفي المزمن، والمشكلات المتعلقة بالعلاقات مع الآخرين، حيث قد يستمر العلاج لعدة سنوات. وهذا يعني أيضاً أن وتيرة الجلسات قد تختلف بشكل كبير؛ من جلسة أسبوعية إلى جلسة واحدة كل شهر تقريباً في مراحل المتابعة اللاحقة. قائم على المشاركة والتفاعل أحد الأسباب التي تجعل العلاج المعرفي السلوكي أقصر مدةً أو أكثر تركيزاً من بعض العلاجات النفسية الأخرى، هو أن دور المعالج فيه يختلف نوعاً ما؛ حيث يكون المعالج أكثر نشاطاً وتفاعلاً مقارنة بالعلاجات الأخرى، وذلك من خلال طرح أسئلة محددة وتوجيهك في مسار علاجي معين. كما يركّز هذا التوجيه على وسائل ملموسة تشجّعك على أن تكون مشاركًا فاعلًا في العلاج بنفسك. أي أنك والمعالج تعملان معًا بشكل تشاركي من أجل إحداث تغييرات في حياتك قد يكون من الصعب جداً الوصول إليها بمفردك.
التركيز على الحاضر
أحد العناصر الأساسية في العلاج المعرفي السلوكي هو التركيز على ما يحدث في حياتك اليومية الحالية. وهذا يعني أن الجلسات مع المعالج تركز على فهم أنماط المشاعر والأفكار والسلوكيات الصعبة في الوقت الحاضر. وقد يشمل ذلك، على سبيل المثال، فحص ما تشعر به وما تفكر فيه أثناء الجلسة نفسها، ولكن الأمر يتعلق غالباً باكتشاف هذه الأنماط بشكل أعمق في حياتك اليومية، أي خلال الفترات الزمنية التي تفصل بين الجلسات. ومع ذلك، فإن التركيز على ما يحدث في الوقت الحاضر في العلاج المعرفي السلوكي لا يعني تجاهل ماضيك الشخصي. فالعديد من الأنماط النفسية الصعبة تكون موجودة منذ فترة طويلة، ولأسباب قد يكون من المفيد فهمها ثم تعلّم قبولها. والسبب في أن العلاج المعرفي السلوكي يركز على الحاضر أكثر من الماضي هو ببساطة أن مفتاح التغيير يكمن هناك؛ فنحن نملك القدرة على تغيير الحاضر والمستقبل، لكننا لا نستطيع تغيير الماضي.
عملي وقائم على المهارات
تتحقق عملية التغيير في العلاج المعرفي السلوكي ضمن الحياة اليومية، وذلك من خلال تجربة طرق ملموسة وجديدة لتحدي الصعوبات التي تواجهك. ويُعدّ العلاج بالتعرّض، وهو على الأرجح أكثر أشكال العلاج المعرفي السلوكي شهرة، مثالًا واضحًا على ذلك. يُستخدم هذا النوع من العلاج للتغلّب على مشكلات القلق، مثل القلق الاجتماعي، حيث يكون الشخص خائفًا بشدة من ارتكاب الخطأ أو من حكم الآخرين عليه، أو اضطراب الوسواس القهري، حيث قد يخشى الشخص، على سبيل المثال، التلوّث من الأسطح التي تبدو متسخة، أو يشعر بالقلق بسبب أفكار تعتبرها ديانته أو ثقافته أفكارًا محرّمة .
ومن خلال أسلوب عملي، منظّم وتدريجي، يساعدك المعالج في العلاج بالتعرّض على مواجهة المثيرات التي تُطلق مخاوفك، بطريقة محددة لم تكن قادرًا على القيام بها من قبل. وبهذه الطريقة، ستلاحظ تدريجيًا انخفاض مستوى القلق خطوة بعد خطوة، مع الشعور بمزيد من الحرية في حياتك. هذا الطابع العملي في العلاج ينعكس أيضًا على ما يحدث بين الجلسات في العلاج المعرفي السلوكي، وذلك من خلال ما يُعرف بـ «المهام المنزلية» (أو «التحديات الفردية»). ففي بداية العلاج، قد تتمثل هذه المهام في ملاحظة أنماط الأفكار والمشاعر والسلوكيات وتدوينها، سواء على ورقة أو في الهاتف. وفي مراحل لاحقة من العلاج، قد تشمل المهام، على سبيل المثال، القيام بتمارين التعرّض نفسها (لأشياء تثير خوفك) التي قمت بها مع المعالج، ولكن هذه المرة بمفردك، أو بمساعدة أحد أفراد العائلة أو صديق في حياتك اليومية، وتكرارها عدة مرات، إلى أن تشعر بانخفاض القلق أو بتغيّر في طريقة إحساسك تجاهها، إلى أن تختبر تجربة جديدة ومُحرِّرة.
قائم على الأهداف
في العلاج المعرفي السلوكي، يركّز المعالج بطبيعة الحال فقط على ما ترغب أنت فعلًا في تغييره في حياتك؛ فهو لن
يُجبرك أبدًا على القيام بأي شيء، بل يقتصر دوره على دعمك ومساعدتك في إحداث التغييرات التي تريدها أنت. وهذا
يعني أيضًا أن تحديد أهداف العلاج منذ بدايته يُعد عنصرًا أساسيًا في جميع أنواع العلاج المعرفي السلوكي. فإذا لم تكن
تعرف إلى أين تريد أن تتجه في حياتك، فمن المرجّح أنك لن تتمكن من الوصول إلى هناك. وغالبًا ما يشعر الأشخاص، خاصةً عند المعاناة من مشكلات انفعالية، بالضياع ويجدون صعوبة في تحديد أهداف واضحة. ولهذا السبب، تتركّز المرحلة الأولى من العلاج المعرفي السلوكي تحديدًا على مساعدتك في إيجاد اتجاهك وتوضيح الوجهة التي ترغب في الوصول إليها في حياتك، وهو أمر يكون في كثير من الأحيان أقل صعوبة عندما يتم إنجازه بمشاركة شخص آخر.
هل يمكن للعلاج المعرفي السلوكي مساعدتك؟
لقد ركزنا حتى الآن على العناصر المحددة والشائعة في جميع أنواع العلاج المعرفي السلوكي، أي ما قد يميّز العلاج
المعرفي السلوكي عن غيره من أشكال العلاج النفسي. ويمكن القول فعليًا إنه إذا افتقر العلاج إلى هذه العناصر، فهو لا يُعد
علاجًا معرفيًا سلوكيًا حقيقيًا! ومع ذلك، يشارك العلاج المعرفي السلوكي أيضًا العديد من العناصر مع أنواع أخرى من العلاج النفسي؛ فيجب أن يكون مكانًا آمنًا تشعر فيه بأنك مسموع، ومفهوم، ومعترف بمشاعرك. لا يمكن أن يحدث أي تغيير إذا لم تشعر بالاعتراف أو إذا
شعرت بعدم أخذك على محمل الجد من قبل معالجك. وبما أن كل معالج – مثلك تمامًا – هو إنسان فريد من نوعه (سواء
كان يعمل بالعلاج المعرفي السلوكي أو بنوع آخر من العلاج النفسي)، فمن الضروري أيضًا أن تشعر بالراحة ليس فقط مع
نوع العلاج، بل وأيضًا مع المعالج كفرد.
نأمل الآن أن تشعر بأنك تعرف أكثرعن العلاج المعرفي السلوكي وما يمكنك توقعه من المعالج المعرفي السلوكي. ومن
يدري، ربما يكون قراءتك لهذا النص القصير قد مثلت الخطوة الأولى في طلب المساعدة، وبالتالي الخطوة الأولى نحو
إحداث تغيير أساسي في حياتك؟